الشيخ محمد النهاوندي

59

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

الفضائل النفسانيّة والكمالات الروحانيّة . ثمّ نبّه سبحانه على أنّ التفضيل إنّما هو بالفيوضات المعنوية من العلم والكتاب لا بالسلطنة بقوله : وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً وفضلّناه به لا بالملك والسلطنة ، فإذا كان كذلك فلا بعد في أن نفضّل محمّدا صلّى اللّه عليه وآله على جميع الخلق من الأولين والآخرين بإتيانه القرآن الذي هو أفضل الكتب السماوية ، وتعميم رسالته إلى يوم القيامة . وقيل : إن وجه تخصيص داود وكتابه بالذكر أنّ في الزّبور أنّ محمّدا خاتم الأنبياء ، وأن امّته خير الأمم « 1 » . وقيل : إنّ وجهه أنّ اليهود كانوا يقولون : إنّه لا نبيّ بعد موسى ، ولا كتاب بعد التوراة . فنقض اللّه كلامهم بإنزال الزبور على داود « 2 » . أقول : الظاهر أنّ اليهود ينكرون بعث رسول بعد موسى له شرع غير شرعه ، ونزول كتاب ناسخ لكتابه ، لا بعث مطلق الرسول ونزول مطلق الكتاب . عن الصادق عليه السّلام : « سادة النبيين والمرسلين خمسة ، وهم أولو العزم من الرسل ، وعليهم دارت الرحى : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد ، وفضله على جميع الأنبياء » « 3 » . وفي ( العلل ) عن النبي صلّى اللّه عليه وآله : « أنّ اللّه تعالى فضّل الأنبياء المرسلين على ملائكته المقرّبين ، وفضّلني على جميع النبيين والمرسلين ، والفضل بعدي لك يا عليّ وللأئمّة من ولدك ، وإنّ الملائكة لخدّامنا وخدّام محبّينا » « 4 » . وعن ابن عباس : أنّه جلس ناس من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يتذاكرون ، وهم ينتظرون خروجه ، فخرج حتى دنا منهم ، فسمعهم يتذاكرون ، فسمع حديثهم فقال بعضهم : عجبا إنّ اللّه اتّخذ إبراهيم من خلقه خليلا ! وقال آخر : ماذا بأعجب من أنّ اللّه كلّم موسى تكليما ؟ وقال آخر : ماذا بأعجب من جعل عيسى كلمة اللّه وروحه ؟ فقال آخر : ماذا بأعجب من آدم اصطفاه اللّه عليهم ؟ فسلّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله على أصحابه ، وقال : « قد سمعت كلامكم وعجبكم من أنّ إبراهيم خليل اللّه وهو كذلك ، وأن موسى كليم اللّه وهو كذلك ، وأن عيسى روح اللّه وكلمته وهو كذلك ، وأنّ آدم اصطفاه اللّه وهو كذلك ، ألا وأنا حبيب اللّه ولا فخر ، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أكرم الأولين والآخرين على

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 20 : 230 . ( 2 ) . تفسير الرازي 20 : 230 . ( 3 ) . الكافي 1 : 134 / 3 ، تفسير الصافي 3 : 198 . ( 4 ) . علل الشرائع : 5 / 1 ، تفسير الصافي 3 : 198 .